من سحب رخصة المشروبات إلى الإغلاق.. هل يقتل والي الجهة الاستثمار في سيدي بوزيد؟
جواد المصطفى

من سحب رخصة المشروبات إلى الإغلاق.. هل يقتل والي الجهة الاستثمار في سيدي بوزيد؟
متابعة -المصطفى جواد
قرار والي الجهة يفتح أبواب الأسئلة.. سيدي بوزيد ليست مجرد توقيع إداري، بل منتجع يعيش من الاستثمار والسياحة والعمال
من سحب رخصة المشروبات الكحولية إلى قرار الإغلاق، يبدو أن ملف بعض المؤسسات بسيدي بوزيد دخل مرحلة تستوجب أكثر من مجرد توقيع إداري. فعندما يصل الأمر إلى إغلاق مؤسسة استثمارية، فإننا لا نتحدث عن ورقة تحفظ في رفوف الإدارة، بل عن قرار له تبعات اقتصادية واجتماعية مباشرة على المستثمرين والعمال والمنطقة بأكملها. والسؤال ليس هل يجب احترام القانون؟ نعم، يجب احترامه. وإنما هل كان القرار متناسباً مع طبيعة المخالفات، وهل تم استحضار جميع آثاره قبل اتخاذه؟
الأمر يتعلق بمستثمرين من أبناء المنطقة اختاروا وضع أموالهم في سيدي بوزيد، وساهموا في تحويلها إلى فضاء يعرف حركة سياحية واقتصادية. هؤلاء ليسوا غرباء عن المنطقة، بل جزء من نسيجها الاقتصادي والاجتماعي، واستثماراتهم ساهمت في خلق فرص الشغل وتحريك عدد من الأنشطة المرتبطة بالسياحة.
أما حكاية العمال الذين يبقون داخل المؤسسة بعد خروج الزبناء، فتحتاج إلى كثير من التدقيق قبل تحويلها إلى ملف عقابي ثقيل. فالعامل الذي يبقى لتنظيف القاعة ليس زبوناً، والعامل الذي يرتب المعدات ليس زبوناً، ومن يحضر المؤسسة لليوم الموالي لا يعني بالضرورة أنه يواصل النشاط التجاري. فهل أصبح مجرد وجود العامل داخل المؤسسة بعد انتهاء وقت استقبال الزبناء مخالفة تبرر الوصول إلى أقصى العقوبات؟ هنا تحديداً يجب أن يتحدث القانون بوضوح، لا التأويل.
السيد والي جهة الدار البيضاء سطات، القرار الإداري القوي ليس بالضرورة القرار الأكثر قسوة. قوة الإدارة تظهر عندما تستطيع فرض احترام القانون دون أن تقتل الاستثمار، وأن تعالج المخالفة دون أن تجعل العمال والأسر يدفعون ثمنها. أما توقيع قرار بالإغلاق ثم ترك المستثمر والعامل يواجهان وحدهما النتائج، فيفتح نقاشاً واسعاً حول مفهوم الحكامة والإنصاف والتناسب في اتخاذ القرارات.
والسؤال الموجه أيضاً إلى السيد عامل إقليم الجديدة أين هو الحوار؟ لماذا لا يجلس المسؤولون مع المستثمرين للاستماع إلى روايتهم والوقوف على حقيقة ما جرى؟ لماذا لا يتم النزول إلى الميدان بدل الاكتفاء بالمحاضر والتقارير؟ لا أحد يطالب بإلغاء القانون ولا بحماية أي مخالف، وإنما المطلوب أن تكون القرارات مبنية على صورة كاملة للواقع، لأن الميدان أحياناً يقول أشياء مختلفة تماماً عما تقوله الأوراق.
سيدي بوزيد منتجع سياحي وليست منطقة صناعية يمكن التعامل معها بمنطق الإغلاق دون حساب العواقب. اقتصاد المنطقة مرتبط بالحركة السياحية، والمطاعم والمقاهي والمؤسسات الترفيهية جزء من هذه المنظومة. وإذا أصبح المستثمر يشعر بأن مشروعه مهدد بالإغلاق بسبب مخالفة قابلة للمعالجة بوسائل قانونية أخرى، فإن الرسالة التي تصل إلى المستثمرين ستكون خطيرة ضع أموالك في مكان آخر.
نحن أمام معادلة بسيطة المخالفة تُحرر، والقانون يُطبق، لكن العقوبة يجب أن تكون متناسبة مع طبيعة المخالفة. وإذا ثبت وجود تجاوزات، فهناك مساطر وجزاءات قانونية يمكن اللجوء إليها، دون الوصول بالضرورة إلى قرار قد يؤدي إلى خسائر كبيرة ويضع العمال أمام البطالة. فالهدف من القانون هو تنظيم النشاط وردع المخالف، وليس القضاء على الاستثمار.
وإذا كان القرار قد اتخذ بناءً على محاضر، فإن المحاضر ليست نهاية القصة. من حق الرأي العام أن يعرف ماذا تم تسجيله بالضبط؟ هل كان هناك زبناء بعد الوقت المحدد، أم كان الموجودون مجرد عمال؟ ما طبيعة المخالفة؟ وما الأساس القانوني الذي بُني عليه قرار الإغلاق؟ وهل تم تمكين المعنيين من تقديم توضيحاتهم وفق المساطر الجاري بها العمل؟ الوضوح هنا ليس امتيازاً للمستثمر، بل حق للمجتمع في معرفة كيف تُتخذ القرارات التي تمس اقتصاده المحلي.
الاستثمار الذي أقامه أبناء سيدي بوزيد لا يجب أن يتحول إلى ضحية لقرارات متسرعة. هؤلاء ساهموا في إحياء المنتجع، وخلق فرص الشغل، وجلب الزوار، وتحريك عجلة الاقتصاد. وإذا كان المطلوب جعل سيدي بوزيد فضاءً سياحياً قوياً، فإن محاربة الاستثمار بهذه الطريقة، إن ثبتت آثارها غير المتناسبة، قد تؤدي إلى النتيجة العكسية تماماً: مؤسسات تغلق، عمال يفقدون عملهم، ومستثمرون يفكرون في الرحيل.
لهذا، فإن إعادة النظر في القرار وفتح باب الحوار والاستماع إلى أصحاب المشاريع والعمال قبل أن يصبح الضرر أكبر من أن يُعالج، بات أمراً يستحق النقاش. لا أحد يطلب من الإدارة التغاضي عن القانون، ولكن المطلوب إدارة تستمع قبل أن تقرر، وتتحقق قبل أن تعاقب، وتوازن بين الردع وحماية الاقتصاد المحلي.
سيدي بوزيد ليست مجرد توقيع أسفل قرار إداري؛ إنها منتجع سياحي وواجهة للإقليم ومصدر رزق لأسر عديدة. وإذا كان تحرير مخالفة قد يستغرق دقائق، فإن قرار الإغلاق قد يحتاج وقتاً طويلاً لإصلاح آثاره. فهل نريد أن نحمي سيدي بوزيد بالقانون، أم نتركها تدفع ثمن قرارات قد تُفقدها مستثمريها؟



