أنفاق التهريب بين المغرب وسبتة المحتلة… حين تتحول الجريمة إلى هندسة تحت الأرض
المصطفى جواد

أنفاق التهريب بين المغرب وسبتة المحتلة… حين تتحول الجريمة إلى هندسة تحت الأرض
في تطور أمني لافت، كشفت السلطات الإسبانية عن تفكيك شبكة متخصصة في تهريب المخدرات عبر أنفاق سرية تربط بين التراب المغربي ومدينة سبتة المحتلة، في عملية نوعية تعكس مستوى غير مسبوق من الاحتراف في عالم الجريمة المنظمة.
العملية، التي حملت اسم عملية آريس، أسفرت عن توقيف شخص يوصف بالعقل المدبر أو مهندس الأنفاق، إلى جانب 26 مشتبهًا بهم، في إطار تفكيك شبكة وصفها المحققون بأنها قوية جدًا.
التحقيقات كشفت عن وجود نفقين سريين، أحدهما يتميز ببنية هندسية متطورة تشبه إلى حد بعيد منشآت المناجم. النفق يصل عمقه إلى 19 مترًا، ويتكون من عدة مستويات تشمل مدخلًا رئيسيًا وغرفة لتخزين شحنات الحشيش، إضافة إلى ممر ضيق يمتد في اتجاه الأراضي المغربية.
ولم يكن الأمر مجرد حفريات بدائية، بل بنية مجهزة بأنظمة نقل متكاملة تشمل سككًا وعربات وبكرات، تسمح بنقل كميات كبيرة من المخدرات دون احتكاك مباشر بين العاملين داخل النفق، في محاولة لتقليل المخاطر الأمنية وتعقيد عملية تعقب الشبكة.
المعطيات الأولية تشير إلى أن نشاط هذه الشبكة لا يقتصر على التهريب المحلي، بل يمتد إلى دول أوروبية، خاصة هولندا، حيث يُعتقد بوجود ارتباطات مع شبكات إجرامية معروفة، من بينها ما يُعرف بـ موكرو مافيا، وهي من أبرز التنظيمات الناشطة في تجارة المخدرات بأوروبا.
وتأتي هذه العملية في سياق تشديد الرقابة على طرق التهريب التقليدية، خاصة بعد حجز شحنات ضخمة قادمة من شمال المغرب، من بينها شاحنة محملة بـ15 طنًا من الحشيش انطلقت من الناظور.
هذا الضغط الأمني دفع الشبكات الإجرامية إلى تنويع أساليبها، عبر اللجوء إلى الأنفاق، والزوارق السريعة، وحتى القوارب التقليدية، للوصول إلى مناطق مثل غاليسيا، التي تُعد نقطة عبور نحو الأسواق الأوروبية.
القضية تكشف عن تحول نوعي في أساليب الجريمة المنظمة، حيث لم تعد تقتصر على الوسائل التقليدية، بل أصبحت تستثمر في بنى تحت أرضية معقدة وتقنيات متطورة لتفادي المراقبة. كما تطرح تساؤلات جدية حول حجم الشبكات العابرة للحدود، ومدى قدرتها على التكيف مع الضربات الأمنية والاستمرار في نشاطها رغم المخاطر.
تفكيك هذه الشبكة يمثل نجاحًا أمنيًا مهمًا، لكنه في المقابل يسلط الضوء على تحديات متزايدة تواجهها دول المنطقة في محاربة تهريب المخدرات، في ظل شبكات منظمة لا تتردد في تحويل الأرض نفسها إلى ممرات سرية لعبور تجارتها غير المشروعة.



