إقليم سيدي بنور

سيدي بنور.. كوسومار في مرمى “أشباه الصحافة”.. أسئلة البيئة تنتهي عند باب الابتزاز؟

الجديدة وان

سيدي بنور.. كوسومار في مرمى “أشباه الصحافة”.. أسئلة البيئة تنتهي عند باب الابتزاز؟

سيدي بنور _الجديدة وان

من حق أي صحفي أن يفتح ملف الروائح والانبعاثات بمعمل كوسومار، ومن حق الساكنة أن تسأل وتحتج وتطالب ببيئة سليمة. لكن ليس من حق أحد أن يضع النتيجة قبل التحقيق، ولا أن يقدم الانطباعات والشكايات على أنها حقائق نهائية.

البيان المتداول يتحدث عن “روائح خانقة “وعن تهديد محتمل للصحة العامة، وهي عبارات ثقيلة، وليست مجرد كلام عابر. إذا كان صاحب البيان يتوفر على معطيات تثبت وجود خطر صحي أو تجاوز بيئي، فليضعها أمام الرأي العام. أين نتائج القياسات؟ أين التقارير؟ من قام بالمعاينة؟ ومتى؟ وما هي الجهة التي أكدت أن مصدر هذه الروائح هو المعمل؟

أما القول إن مراسلينا جمعوا شهادات ميدانية، فهذا وحده لا يكفي. الشكاية تُسمع وتُوثق وتُحقق، لكنها لا تصبح دليلاً علمياً بمجرد نشرها في بيان. الصحفي الحقيقي يعرف الفرق بين نقل شكوى مواطن وبين إثبات مخالفة.

والغريب أن البيان لم يقف عند موضوع البيئة، بل أدخل الرياضة والثقافة والمبادرات الاجتماعية في نفس الملف. وهنا يصبح السؤال مشروعاً ما علاقة انبعاثات المعمل بالمشاريع الرياضية؟ إذا كانت هناك مشكلة بيئية، فلتُفتح في وجهها كل الأسئلة التقنية والقانونية. وإذا كانت هناك مطالب اجتماعية، فلتُناقش في إطارها الطبيعي، بعيداً عن خلط الأوراق.

ثم هناك سؤال آخر، وربما هو الأهم هل تم الاتصال بكوسومار قبل نشر البيان؟ هل طلب صاحبه توضيحات من إدارة المعمل؟ هل وُضعت أمامها الشكايات والمعطيات؟ هل تم التواصل مع الجهات المختصة في البيئة والصحة؟ أم أن طرفاً واحداً تحدث، ثم صدر البيان وكأن الملف حُسم وانتهى؟

الصحافة ليست محكمة، والصحفي ليس قاضياً. دوره أن يضع الأسئلة، يجمع الوثائق، يستمع إلى جميع الأطراف، ثم يترك الوقائع تتحدث. وإذا ثبت وجود مخالفة، فليقلها بلا خوف وبالاسم والتفاصيل. وإذا لم تثبت، فعليه أيضاً أن يتحلى بالشجاعة نفسها ويقول للرأي العام إن المعطيات لم تثبت ما تم تداوله.

نحن في الجديدة وان لا ندافع عن كوسومار ولا نهاجمها. نحن ندافع عن مهنة أصبحت اليوم في حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى من يحميها من الدخلاء عليها. المؤسسات يجب أن تُراقب، نعم، لكن بالوثيقة. والمسؤولون يجب أن يُساءلوا، نعم، لكن بالدليل. والشركات يجب أن ترد، نعم، لكن دون أن تتحول الصحافة إلى طرف في خصومة مجهولة النهاية.

لذلك، قبل أن نضع كوسومار تحت المجهر، من حق الرأي العام أن يضع البيان نفسه تحت المجهر. أين الدليل؟ أين القياسات؟ أين الوثائق؟ أين الرأي الآخر؟ إذا حضرت هذه العناصر، فمرحباً بالتحقيق الصحفي. أما إذا غابت، وحضرت فقط اللغة النارية والشعارات والاتهامات المبطنة، فنحن أمام شيء آخر تماماً.

الصحافة القوية لا تخيف المؤسسة، بل تجعلها تجيب. ولا تبتز أحداً، بل تحاصر الخلل بالدليل. أما أشباه الصحافة، فأكبر خطر عليها أنها ترفع صوتها كلما غاب الدليل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى