إقليم الجديدة

أزمة الكراء تخنق الجديدة.. شقق بـ 2800 درهم وشباب يشتغلون فقط لتأدية ثمن السكن

الجديدة وان

لأول مرة تفتح الجديدة وان ملف أسعار كراء الشقق بمدينة الجديدة، بعدما أصبحت معاناة المواطنين مع ارتفاع واجبات الكراء حديث الأسر والشباب، في ظل وضع اقتصادي واجتماعي لم تعد فيه الأجور قادرة على مواكبة الارتفاع المتواصل في تكاليف السكن والمعيشة. شقق كان كراؤها في حدود 1500 درهم، أصبح بعضها اليوم يصل إلى بين 2700و4500 درهم، خصوصًا داخل بعض الإقامات السكنية، الأمر الذي يطرح أكثر من علامة استفهام حول واقع سوق الكراء بالمدينة.

وفي الوقت الذي يبحث فيه الشباب عن سكن مناسب لبناء أسرهم، يجدون أنفسهم أمام أسعار تفوق قدرتهم الشرائية بكثير. فبعض الشقق داخل الإقامات السكنية بمدينة الجديدة يتراوح كراؤها بين 2700 و3500 درهم، فيما ترتفع الأسعار أكثر بالنسبة للشقق المفروشة. والمفارقة أن ارتفاع الأسعار لا يوازي دائمًا جودة السكن، إذ يشتكي بعض السكان من مشاكل مرتبطة بالماء، خصوصًا في الطوابق العليا، إلى جانب إشكالات أخرى مرتبطة بالبنايات والخدمات.

حمزة، أحد أبناء مدينة الجديدة، اختصر جزءًا من هذه المعاناة، موضحًا أنه بعد دخوله الحياة الزوجية وجد نفسه أمام أزمة حقيقية بسبب السكن. يقول إن دخله الشهري يقارب 3000 درهم، بينما وجد شقة بكراء يصل إلى 2700 درهم، متسائلًا بحسرة كيف يمكن لشاب أن يبني أسرة إذا كان ثمن السكن يلتهم تقريبًا كامل راتبه؟ وهل أصبح الزواج نفسه مهددًا بسبب أزمة السكن وغلاء الكراء؟

أما ياسين، وهو بدوره من أبناء المدينة، فيعيش رفقة زوجته واقعًا أكثر صعوبة إذ تعمل زوجته في مؤسسة تعليمية براتب يقارب 2000 درهم، بينما يعمل هو حارس أمن بدخل يقارب 3000 درهم، ومع ذلك يؤديان حوالي 2400 درهم شهريًا مقابل الكراء إضافة الماء والكهرباء وسانديك. وبحسب تصريحه، فإن معظم دخلهما يذهب إلى السكن والأكل، مضيفًا أن الحياة أصبحت بالنسبة إليهما مجرد عمل متواصل من أجل توفير ثمن الكراء والمصاريف الأساسية.

هذه الشهادات تكشف أن أزمة الكراء لم تعد مجرد مسألة مرتبطة بسوق العقار، وإنما أصبحت قضية اجتماعية تمس بشكل مباشر الشباب والأسر ذات الدخل المحدود. فحين يصبح الكراء مستهلكًا لنصف الدخل أو أكثر، يجد المواطن نفسه مضطرًا للتخلي عن أبسط متطلبات الحياة، من السفر والترفيه إلى الادخار والاستثمار في مستقبل الأسرة، بل إن بعض الشباب أصبح يفكر في تأجيل الزواج بسبب عدم قدرته على تحمل تكاليف السكن.

وفي المقابل، تطرح ساكنة الجديدة أسئلة مشروعة حول مدى وجود مراقبة فعلية لسوق الكراء، خصوصًا بشأن العقود القانونية والتصريح بالمداخيل والالتزامات الجبائية. ولا يتعلق الأمر باتهام ملاك العقارات أو أصحاب الإقامات، وإنما بضرورة معرفة مدى احترام القواعد القانونية المنظمة للكراء، خصوصًا في ظل شكايات مواطنين من وجود عمليات كراء تتم دون عقود واضحة، وهو ما يجعل المكتري في وضعية هشة ويصعب عليه الدفاع عن حقوقه.

كما يطرح المواطنون سؤالًا آخر حول دور السلطات والمصالح المختصة والجماعات الترابية في تتبع هذه الظاهرة المتنامية. فإذا كان تحديد الأسعار يخضع في جزء كبير منه لمنطق العرض والطلب، فإن حماية المواطنين من أي تجاوزات أو ممارسات غير قانونية تظل مسؤولية الجهات المختصة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بفئات اجتماعية لا يتجاوز دخلها بضعة آلاف من الدراهم.

ولا يمكن فصل أزمة الكراء بمدينة الجديدة عن التحولات الاقتصادية والصناعية التي تعرفها المنطقه، خصوصًا مع النشاط الكبير الذي يعرفه المركب الصناعي بالجرف الأصفر واستقطابه لعدد مهم من اليد العاملة القادمة من خارج المدينة. ارتفاع الطلب على السكن في مقابل محدودية العرض يمكن أن يساهم في الضغط على سوق الكراء، وهو ما يجعل الحاجة ملحة إلى رؤية سكنية تواكب التطور الصناعي والاقتصادي للمنطقة، بدل ترك السوق يتحرك بشكل قد تكون كلفته الاجتماعية مرتفعة.

وفي ظل هذه الوضعية، تبدو الحاجة ملحة إلى فتح نقاش جدي حول أزمة السكن والكراء بمدينة الجديدة، بمشاركة السلطات والمنتخبين والمهنيين والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني، من أجل البحث عن حلول عملية، من بينها تشجيع السكن الميسر، وتوفير عروض سكنية موجهة للشباب والعمال، وضمان احترام القوانين المنظمة للكراء، وتعزيز المراقبة كلما كانت هناك شبهة مخالفة للقانون أو تهرب من الالتزامات القانونية والجبائية.

في النهاية، يبقى السؤال الذي تطرحه الجديدة وان على المسؤولين واضحًا من يحمي أبناء مدينة الجديدة من أزمة كراء أصبحت تلتهم رواتبهم؟ شاب يتقاضى 3000 درهم ويؤدي 2700 درهم للكراء، وزوجان لا يتجاوز دخلهما 5000 درهم ويؤديان 3500 درهم للسكن، ليست مجرد أرقام، وإنما واقع اجتماعي يعيشه مواطنون كل يوم. والجديدة التي تستقبل مشاريع واستثمارات وتعرف حركية اقتصادية مهمة، تحتاج أيضًا إلى سياسة سكنية تضمن لأبنائها الحق في العيش والاستقرار، لأن التنمية التي لا يجد فيها المواطن مكانًا يسكنه بثمن يستطيع تحمله، تبقى تنمية ناقصة مهما ارتفعت أرقام المشاريع والاستثمارات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى