من الابتزاز إلى “سْكانير خاسر”… اختلالات خطيرة تعري واقع مستشفى محمد الخامس بالجديدة
جواد المصطفى

لم تعد معاناة المرتفقين داخل بعض المؤسسات الصحية العمومية مجرد انطباعات عابرة أو شكايات معزولة، بل أصبحت وقائع موثقة تطرح أسئلة عميقة حول جودة الخدمات، وشفافية التدبير، واحترام كرامة المرضى. هذا ما تكشفه حادثة صادمة شهدها مستشفى محمد الخامس بمدينة الجديدة، حيث تداخلت عناصر الاعتداء الجسدي، وسوء التكفل الطبي، وشبهة الابتزاز، في مشهد يسيء إلى مرفق يفترض فيه أن يكون فضاءً للعلاج لا بؤرةً للمعاناة.
تفاصيل الواقعة، كما صرّح بها الضحية، تفيد بأنه قصد المستشفى بعد تعرضه لاعتداء على مستوى الرأس، غير أن طبيب المداومة اكتفى بتسليمه وصفة أدوية دون إخضاعه لأي فحص سريري دقيق أو توجيهه لإجراء فحوصات مستعجلة، رغم وضوح آثار الإصابة. الأكثر إثارة للاستغراب، هو مطالبته بالعودة في اليوم الموالي للحصول على شهادة طبية، في إجراء يطرح علامات استفهام حول احترام المساطر الطبية والقانونية المعمول بها في مثل هذه الحالات.
وفي تطور خطير، يؤكد المعني بالأمر أن حارس أمن بالمستشفى تسلم منه مبلغ 200 درهم، بدعوى أنها “واجب الصندوق”، مقابل تسهيل حصوله على الشهادة الطبية. سلوك، إن ثبتت صحته، يندرج ضمن ممارسات يعاقب عليها القانون، ويضرب في العمق مبدأ مجانية أو تقنين الخدمات الصحية داخل المؤسسات العمومية.
وعند عودته في اليوم الموالي، تدخلت مديرة المستشفى للاستفسار عن سبب عدم إخضاع الضحية لفحص بالأشعة (السكانير)، غير أن المفاجأة كانت في تعطل الجهاز، ليتم توجيه المريض نحو مصحة خاصة. وضع يلخص بوضوح معاناة فئة واسعة من المواطنين، الذين يجدون أنفسهم مجبرين على تحمل تكاليف إضافية بسبب أعطاب أو نقص في التجهيزات داخل القطاع العمومي.
وتتوفر الجريدة على نسخة من الوثيقة التي سلمها الطبيب، والتي تثير بدورها تساؤلات جدية حول قانونيتها، خاصة في ظل عدم تسجيلها ضمن السجلات الرسمية، وهو ما قد يعزز فرضية وجود اختلالات إدارية أو ممارسات خارج الإطار القانوني. كما أن محاولة مطالبة الضحية بالتوقيع على وثيقة يُفهم منها تبرئة الطبيب، يقابلها غياب أي توثيق عبر كاميرات المراقبة، يزيد من غموض هذه القضية ويستدعي توضيحات دقيقة من الجهات المسؤولة.
إن خطورة هذه الواقعة لا تكمن فقط في تفاصيلها، بل في دلالاتها الأوسع، التي تعكس إشكالات بنيوية مرتبطة بالحكامة داخل بعض المؤسسات الصحية، من قبيل ضعف المراقبة، وغياب الصيانة الدورية للتجهيزات، والضغط المهني على الأطر الصحية، إضافة إلى احتمال تسلل ممارسات غير قانونية تمس بحقوق المرتفقين.
وعليه، فإن هذه المعطيات تضع الجهات الوصية، وعلى رأسها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، أمام مسؤولية فتح تحقيق إداري وقضائي شامل، يحدد المسؤوليات ويرتب الجزاءات، ويضمن عدم تكرار مثل هذه الوقائع. كما تفرض ضرورة تعزيز آليات المراقبة، وتأهيل البنيات الصحية، وصون كرامة المرضى، بما ينسجم مع مقتضيات الدستور والقوانين المنظمة للحق في العلاج.
فالصحة ليست امتيازًا، بل حق دستوري، وأي مساس به، سواء بالإهمال أو الابتزاز أو سوء التدبير، يستوجب المحاسبة، حفاظًا على ثقة المواطنين في المرفق العمومي، وصونًا لسمعة القطاع الصحي.



