أخبار وطنيةأعمدة الرأيإقليم الجديدة

عقود مؤقتة… استغلال دائم: ماذا يحدث في الحي الصناعي بالجديدة؟

عقود مؤقتة… استغلال دائم: ماذا يحدث في الحي الصناعي بالجديدة؟

جواد المصطفى – الجديدة وان

في الوقت الذي يُفترض فيه أن يشكل الحي الصناعي قاطرة للتنمية وخلق فرص الشغل، يتحول في الجديدة إلى فضاء مفتوح لكل أشكال الهشاشة المهنية والاستغلال المقنّن. شركات تشتغل بشكل عادي، تحقق أرباحًا، لكنها تعتمد بشكل ممنهج على عقود عمل مؤقتة لا تتجاوز ستة أشهر، تُجدَّد أو تُنهى حسب المزاج، دون أي اعتبار للاستقرار الاجتماعي أو الكرامة الإنسانية للعامل.

أي منطق هذا الذي يجعل شابًا أو فتاة يشتغلون ثماني ساعات يوميًا، في ظروف أحيانًا قاسية، مقابل الحد الأدنى للأجر، دون أفق، دون ضمانات، ودون أبسط حقوق الاستمرارية؟ وأي قانون شغل هذا الذي يُفرغ من مضمونه في غياب مراقبة حقيقية وزجر فعّال؟

الأخطر من ذلك، أن هذه العقود المؤقتة تحولت إلى وسيلة ضغط صامتة، تجعل العامل في وضعية ضعف دائم، يخشى المطالبة بحقه، أو حتى التبليغ عن التجاوزات، خوفًا من عدم تجديد عقده. وهنا، لا نتحدث فقط عن هشاشة اقتصادية، بل عن بيئة خصبة لكل أشكال الانتهاكات، بما فيها تلك التي سبق أن تم التطرق إليها بخصوص الابتزاز والاستغلال، في ملفات حساسة وصلت إلى مراحل متقدمة من التحقيق.

ما يقع اليوم في الحي الصناعي بالجديدة ليس مجرد اختلالات عابرة، بل نموذج واضح لاقتصاد الريع المقنّع، حيث تُستغل اليد العاملة بأبخس الأثمان، في ظل صمت مريب، وغياب رقابة حقيقية من الجهات المعنية. فكيف يُعقل أن تظل الأجور في حدود “السميك”، بينما تكاليف المعيشة، وعلى رأسها المواد الغذائية، تعرف ارتفاعًا مهولًا؟ وأين هو التوازن الاجتماعي الذي تتحدث عنه السياسات العمومية؟

الرسالة اليوم واضحة لا يمكن الاستمرار في شرعنة الهشاشة عبر عقود مؤقتة تُستعمل كآلية دائمة. المطلوب ليس فقط مراجعة هذه العقود، بل إلغاؤها في صيغتها الحالية، وفرض شروط عمل تضمن الكرامة والاستقرار، وربط المسؤولية بالمحاسبة لكل من يتلاعب بحقوق العمال.

إن السكوت عن هذا الوضع لم يعد مقبولًا. فإما أن نكون أمام إرادة حقيقية لإصلاح سوق الشغل، أو نكون شركاء في تكريس واقع يُقنّن الاستغلال تحت غطاء “عقود مؤقتة”. وفي الحالتين، يبقى العامل هو الضحية الأولى والأخيرة

في الخلاصة، لم يعد الأمر يحتمل مزيدًا من التبرير أو الصمت… فإما أن تُحترم كرامة العامل ويُطبّق قانون الشغل كما هو، أو سنكون أمام واقع يُشرعن العبودية بصيغة قانونية مزيّفة. الرسالة وصلت، والملفات تُفتح، والحقيقة لا تُدفن… ومن يعتقد أن الاستغلال يمكن أن يستمر بلا حساب، فهو واهم. اليوم لم يعد السؤال هل هناك تجاوزات؟ بل متى تتحرك الجهات المسؤولة لوضع حد لهذا النزيف؟ لأن كرامة الإنسان ليست عقدًا مؤقتًا… بل حق لا يقبل التجديد أو الإلغاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى