فاجعة حي السعادة بالجديدة… حين تتحول نداءات الاستغاثة إلى مأساة وتطرح سؤال المسؤولية
هيئة التحرير/محمد ازروال

لم تكن الجريمة التي هزت حي السعادة بمدينة الجديدة مجرد واقعة جنائية معزولة، بقدر ما أعادت إلى الواجهة أعطابا عميقة تتقاطع فيها هشاشة التكفل بالصحة النفسية، وانتشار المخدرات، وضعف التفاعل مع نداءات الاستغاثة قبل أن تتحول إلى فواجع.
الضحية، رجل سبعيني مشهود له بحسن السيرة، خرج في الساعات الأولى من الفجر، قبل أن يسقط ضحية اعتداء مميت. غير أن خلفية الحادث، كما يرويها مقربون من أسرة المشتبه فيه، تكشف أن مؤشرات الخطر كانت قائمة منذ مدة. والد الشاب سبق أن ظهر في منبر إعلامي مطالبا بإيداع ابنه مستشفى للأمراض النفسية، بعد تفاقم حالته وطرده لوالديه من منزل الأسرة، في ظل معاناة متكررة مع الاضطراب والإدمان، وفق شهادات متطابقة من محيطه.
هذه المعطيات تضع أكثر من علامة استفهام حول جدوى آليات التبليغ والتدخل المبكر، وحول حدود المسؤولية المؤسساتية عندما تتوفر إشارات واضحة على وجود خطر محدق بالأشخاص والمجتمع. فحين تتقدم أسرة بطلب صريح لإيداع ابنها للعلاج، ثم تقع الفاجعة بعد أسابيع، فإن الأمر يتجاوز البعد الجنائي ليصبح سؤالا في صلب الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
في المقابل، لا يمكن فصل الحادث عن سياق أوسع يتصل بانتشار المخدرات داخل عدد من الأحياء، وما تخلفه من اضطرابات سلوكية ونفسية لدى بعض المدمنين، في غياب مراكز كافية لعلاج الإدمان والتكفل الطبي المنتظم. فالمقاربة الزجرية، رغم أهميتها، تظل غير كافية ما لم تدعم بسياسة وقائية وصحية واجتماعية متكاملة.
إن حماية المجتمع لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، بل قبلها، عبر التشخيص القبلي، والتتبع الطبي، والتفاعل الجدي مع شكايات الأسر، والتصدي الحازم لشبكات الترويج التي تتغذى على هشاشة الشباب مقابل الربح السريع. فكل تقصير في هذه السلسلة قد يتحول، في لحظة، إلى روح تزهق وأسرة تفجع وحي يصدم.
فاجعة حي السعادة ليست حدثا عابرا في سجل الحوادث، بل جرس إنذار قوي يفرض مراجعة جماعية صريحة، حتى لا تتحول نداءات الاستغاثة المقبلة إلى بيانات نعي جديدة.



