أعمدة الرأيإقليم الجديدة

إعادة هيبة الإدارة.. هل سيصمد عامل إقليم الجديدة في مواجهة لوبيات الفساد؟

جواد المصطفى

 

منذ سنوات، ظلّ مكتب عامل إقليم الجديدة قبلة لعدد من المنتخبين والبرلمانيين والفاعلين السياسيين، يدخلونه متى شاؤوا، وتُفتح لهم الأبواب حتى في عطل نهاية الأسبوع. كانت اللقاءات تعقد خارج الإطار المؤسساتي المعتاد، وتتحول في كثير من الأحيان إلى فضاء لتصفية الحسابات أو تمرير المصالح أو ممارسة الضغط الناعم باسم التمثيلية الانتخابية.

اليوم، ومع تولي العامل الجديد مسؤولية تدبير شؤون الإقليم، تغيّر المشهد. صدرت تعليمات واضحة لا امتياز لأحد خارج المساطر، ولا مواعيد خاصة خارج القنوات الإدارية المعتمدة. البرلماني، المنتخب، الفاعل السياسي… جميعهم، مثلهم مثل باقي المواطنين، مطالبون بوضع طلب لقاء يحدد موضوعه وأسبابه، ليتم التعامل معه وفق الأولويات والاختصاصات. الرسالة كانت حاسمة مكتب العامل ليس فضاءً للمجاملات السياسية، بل مؤسسة دستورية تُعنى بتدبير قضايا المواطنين وتتبع المشاريع وحل الإشكالات المرتبطة بالتنمية.

هذا التحول لم يرق لبعض من اعتادوا الولوج السلس إلى دواليب القرار الترابي. فحين تُغلق أبواب الامتياز، ترتفع أصوات الاحتجاج. وحين تُسحب مفاتيح النفوذ غير المعلن، يبدأ الحديث عن “القطيعة” و”غياب التواصل”. لكن بين التواصل المؤسساتي المشروع، وبين تحويل الإدارة الترابية إلى ملحقة سياسية، خيط رفيع لا بد من رسم حدوده بوضوح.

إن ساكنة إقليم الجديدة لا تنتظر صورًا تذكارية داخل المكاتب المكيفة، ولا اجتماعات بروتوكولية تُستهلك في المجاملات. ما تنتظره هو تنزيل فعلي للمشاريع المتعثرة، وحلول عملية لمعضلات الماء، والتعمير، والبطالة، والبنيات التحتية، وفك العزلة عن العالم القروي، وتسريع وثيرة الاستثمار. تنتظر إدارة تُنصت للملفات الاجتماعية العالقة، لا لإملاءات “لوبيات” اعتادت اقتسام الكعكة في صمت.

محاربة الفساد لا تُختزل في الشعارات، بل تبدأ من قطع قنوات الريع غير المعلن. تبدأ من فرض مسافة متساوية بين السلطة وجميع الفاعلين السياسيين، ومن إخضاع اللقاءات للمسطرة والشفافية، ومن تحرير القرار الإداري من ضغط “الشكارة” وثقل الحسابات الانتخابية. وعندما يشعر المواطن أن صوته يُستقبل وفق القانون، لا وفق الوساطة، فذلك أول مؤشرات الإصلاح الحقيقي.

السؤال المطروح اليوم بإلحاح هل سيستمر هذا النهج؟ هل يواصل عامل الإقليم سياسة ضبط الإيقاع المؤسساتي، مهما اشتدت الضغوط؟ أم أن منطق التوافقات الهشة سيعود ليفرض نفسه تحت عناوين براقة؟

المعركة ليست شخصية، ولا تستهدف منتخبًا بعينه، بل هي معركة نموذج في التدبير. نموذج يعتبر أن الإدارة في خدمة الصالح العام، لا في خدمة الحسابات الضيقة. وأن هيبة المؤسسة تُصان بتطبيق القانون على الجميع، لا بفتح الأبواب الخلفية لمن يطرقها باسم النفوذ.

إن إقليم الجديدة يقف اليوم أمام فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والمنتخبين على قاعدة الاحترام المتبادل والاختصاص الواضح. فإذا صمدت الإرادة في تحصين القرار الإداري من الابتزاز السياسي، فسيكون ذلك مكسبًا حقيقيًا للساكنة قبل أي جهة أخرى. أما إذا عادت الأمور إلى سابق عهدها، فلن يكون الخاسر سوى المواطن البسيط الذي لا يملك سوى ثقته في دولة المؤسسات.

الرهان إذن واضح إما ترسيخ إدارة ترابية قوية، عادلة، ومنصفة، أو الاستسلام لمنطق اللوبيات وملايين الشكارة. والتاريخ لا يرحم المترددين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى