
في ظل الدعوة الملكية السامية التي أوصى فيها أمير المؤمنين بعدم الإقدام على ذبح الأضحية خلال عيد الأضحى لهذه السنة، بدت الساحة الوطنية منقسمة بين فئة استوعبت خلفيات هذه الإشارة الحكيمة، وفئة أخرى اختارت المضي في تنفيذ الشعيرة، ضاربة عرض الحائط السياق الاستثنائي الذي تعيشه البلاد.
فالدعوة لم تكن تحريما ولا منعا، بل جاءت في إطار تخفيف العبء عن المواطنين، ودرءًا لما قد يترتب عن إحياء الشعيرة من تكاليف تثقل كاهل الأسر، خصوصا في ظل تراجع القطيع الوطني وارتفاع أسعار الماشية، وهي دعوة تنسجم مع روح الشريعة التي تؤكد على رفع الحرج وتحقيق المصلحة، لقوله تعالى : “وما جعل عليكم في الدين من حرج”.
ورغم بداية انخفاض أثمان اللحوم الحمراء خلال الأيام الماضية، إلا أن التهافت المفاجئ على اقتناء الأضاحي، أدى إلى عودة الأسعار للارتفاع من جديد، وكأننا أمام سلوك جماعي يحركه الخوف من فوات موسم لا ضرورة شرعية فيه، بدل وعي يراعي الظرف الاقتصادي العام.
اللافت أن بعض المواطنين عمدوا إلى ذبح الأضاحي قبل يوم العيد بأيام، في تصرف يعكس فهما غير دقيق لمقاصد الشريعة، حيث تحولت الشعيرة من سنة مستحبة إلى ما يشبه واجبا اجتماعيا لا يقبل النقاش، بينما الأصل في الأمر التيسير والقدرة وتقدير المصلحة.
ما أحوجنا اليوم إلى خطاب ديني وإعلامي يعيد ترتيب الأولويات، ويشرح للناس أن الأضحية وإن كانت شعيرة مباركة، فإن تقديم المصلحة العامة وتفادي الأذى مقدم شرعا خصوصا في زمن الأزمات، وهو ما جسدته الدعوة الملكية بكل حكمة ورصانة.
إن اللحظة لا تحتمل التسرع ولا الهتاف العاطفي، بل تفرض تعقلا جماعيا يحترم روح الدين وظروف الواقع، بعيداً عن الضغط الاجتماعي أو الاستعراض الموسمي فالدين يسر والوعي عبادة.



