
يكتب هشام بن الشاوي من منطقة غير مريحة في الأدب، منطقة لا تطمئن القارئ ولا تمنحه أجوبة جاهزة. نصوصه لا تُقرأ باعتبارها حكايات مكتملة، بل بوصفها تجارب شعورية مفتوحة، تضع الإنسان في مواجهة هشاشته، وخساراته الصغيرة، وأخطائه المؤجلة.
لا ينشغل بن الشاوي ببناء حبكة تقليدية بقدر ما ينشغل ببناء حالة. الزمن في نصوصه ليس خطًا مستقيمًا، بل كيانًا مضطربًا، يتداخل فيه الماضي بالحلم، والواقع بالهذيان، والوعي بالغيبوبة. شخصياته تعيش على تخوم الذاكرة، وتتحرك داخل فراغ داخلي يجعل الوجود نفسه موضع تساؤل.
ما يميّز كتابته هو هذا الإحساس الدائم بأن شيئًا ما على وشك السقوط. هناك توتر خفي يرافق القارئ منذ السطر الأول، انتظار غير معلن لفاجعة قد تكون بسيطة في شكلها، لكنها عميقة في أثرها. التفاصيل اليومية العادية تتحول في نصوصه إلى عناصر مصيرية، تشارك في صنع النهاية دون أن تعلن عن نفسها.
شخصيات هشام بن الشاوي ليست بطولية، ولا تبحث عن الخلاص. هي شخصيات مهزومة، ساخرة أحيانًا من مصيرها، واعية بتفاهة موتها أكثر من عظمة حياتها. تعيش بعزلة صامتة، وتكتشف متأخرة أن ما لم يُقل، وما لم يُفعل، كان أثقل من كل ما حدث.
على مستوى اللغة، يوازن الكاتب بين السرد والشعر دون أن يطغى أحدهما على الآخر. جمله طويلة النفس لكنها محكمة، تعتمد على الإيقاع الداخلي والصورة المركبة، وتستمد قوتها من التوتر بين الألم والسخرية. لغته لا تستعرض البلاغة، ولا تسعى إلى الإبهار، بل تشتغل بهدوء على تفكيك المعنى وإعادة تركيبه.
ولا يسعى بن الشاوي إلى إرضاء الذائقة السائدة أو مجاراة الموضة الأدبية. كتابته تراهن على قارئ صبور، قارئ يقبل التوقف، وإعادة القراءة، والتعايش مع الغموض باعتباره جزءًا من المتعة الجمالية لا عيبًا فيها. إنها كتابة تختبر القارئ بدل أن تُدلّله.
يكتب هشام بن الشاوي عن الإنسان المنسي، عن الجار الذي لا نحيّيه، عن العابر الذي لا نلتفت إليه، وعن التفاصيل الصغيرة التي تمرّ في حياتنا بلا أثر، قبل أن نكتشف، بعد فوات الأوان، أنها كانت تصنع مصيرنا بهدوء.
يمكن القول إن هشام بن الشاوي ينتمي إلى كتابة داخلية، وجودية، لا تراهن على الحكاية بقدر ما تراهن على الأثر. كتابة بطيئة، متأنية، تشبه الحياة في هشاشتها وقسوتها، وتدعونا إلى إعادة النظر في ما نعتبره عاديًا وبديهيًا في تفاصيل عيشنا اليومي.



