أخبار وطنيةفن وثقافة

حين يتحوّل الشعر إلى قُربان مصطفى ملح يعيد كتابة الذاكرة والقلق الإنساني في ديوانه الجديد «قرابين»

جواد المصطفى

حين يتحوّل الشعر إلى قُربان
مصطفى ملح يعيد كتابة الذاكرة والقلق الإنساني في ديوانه الجديد «قرابين»

ليس الشعر، في تجربة مصطفى ملح، ترفًا لغويًا ولا زينةً للمعنى، بل فعل سؤالٍ حادّ، واقترابٌ واعٍ من مناطق القلق الإنساني، حيث تتقاطع الذاكرة مع الجرح، واللغة مع المصير. في ديوانه الشعري الجديد «قرابين»، الصادر حديثًا عن منشورات الأطلس للثقافة والإبداع، يواصل الشاعر والروائي المغربي حفره العميق في أسئلة الوجود، من خلال كتابة شعرية كثيفة، متوترة، ومفتوحة على احتمالات التأويل.

منذ العتبة الأولى، يشي العنوان بما ينتظر القارئ. «قرابين» جمعٌ دالّ على الفقد والتضحية، وما يُقدَّم طوعًا أو قسرًا في محراب الحياة. ليست القصائد هنا اعترافات ذاتية مغلقة، بل طقوس كتابة، يُضحّي فيها الشاعر باليقين، ويجعل من اللغة نفسها قربانًا للمعنى.

وجاء الديوان في إخراج فني متناسق، اعتمد غلافه على صورة فوتوغرافية للفنان مصطفى عاقل، تولّى تصميمها الفنان حسن يارتي، في تفاعل بصري يوازي كثافة التجربة الشعرية للنصوص. الغلاف لا يزيّن الكتاب بقدر ما يهيّئ القارئ للدخول إلى عالم مشحون بالرمز، حيث الأشياء الصامتة تستعيد صوتها، والمواد الجامدة تنفتح على ذاكرة خفيّة.

ويُعدّ «قرابين» الديوان العاشر في المسار الشعري لمصطفى ملح، مسار راكم فيه الشاعر اشتغالًا عميقًا على الأسئلة الوجودية، وعلى العلاقة المعقّدة بين الذات والعالم، وبين الفردي والجماعي، وبين اللحظة الآنية وأثقال الموروث. وهي أسئلة لا تُطرح هنا بوصفها تأملات نظرية، بل تُصاغ داخل نسيج شعري مشدود، يستنطق الهشاشة الإنسانية في أكثر تجلياتها حدةً وصدقًا.

تنشغل قصائد الديوان بالبعد الأنطولوجي للكائن الإنساني، من خلال حوار شعري مع النص الديني، لا باعتباره سردًا تاريخيًا مغلقًا، بل بوصفه بنية رمزية مفتوحة، تُستعاد داخل القصيدة لإعادة بناء الأسئلة الأولى للوعي، والتاريخ، والهوية. في هذا السياق، لا يقدّم الشاعر أجوبة جاهزة، بقدر ما يعيد ترتيب القلق، ويضع القارئ أمام مرايا متعددة للمعنى.

ويحتل المكان موقعًا مركزيًا في «قرابين». الأندلس، برشيد، شفشاون، الصحراء… ليست مجرد أسماء جغرافية، بل فضاءات للذاكرة والتأمل، تتحول داخل القصيدة إلى كائنات حيّة، مشبعة بالدلالة، وواعية بتاريخها وقلقها. المكان هنا ليس خلفية محايدة، بل عنصر فاعل في إنتاج المعنى، وشاهدًا على التحولات والانكسارات.

ويتضمن الديوان خمس عشرة قصيدة، هي:
ابن النخلة، قميص منشور جنوب الدم، تفاصيل حول نكسات عائلية، بين الكاف والنون، الصحراء، تقرير حول اغتيال القبيلة، الشيرازية، قرابين، مزامير مصطفى ملح، الشرقيون، برشيد، الأندلس، طبعة منقحة من إصحاحات موسى المغربي، شفشاون، رجل معلق فوق الهواء.

وهي قصائد تشكّل فيما بينها جزرًا دلالية متجاورة، تجمع بين الشخصي والجماعي، واليومي والأسطوري، وتؤكد اشتغال الشاعر على اللغة بوصفها أفقًا للمعرفة، لا مجرد أداة للتعبير.

بهذا الإصدار، يقدّم مصطفى ملح ديوانًا يراهن على الشعر كفعل معرفة وقلق جمالي مفتوح، ويمنح القصيدة قدرة جديدة على مساءلة الإنسان في زمن تتكاثر فيه الأسئلة وتضيق فيه اليقينات. «قرابين» كتاب لا يُقرأ على عجل، بل يُصغي إلى القارئ بقدر ما يطالبه بالإنصات، مؤكّدًا أن الشعر ما يزال قادرًا على أن يكون سؤالًا حيًّا في قلب الزمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى