أعمدة الرأيإقليم سيدي بنور

موسم بن يفيو… عندما تصبح الولائم أهم من الإنارة والماء”

جواد المصطفى

“موسم بن يفيو… عندما تصبح الولائم أهم من الإنارة والماء”

جواد المصطفى

رئيس جماعة الغربية قرّر إلغاء موسم “بن يفيو”، مباشرة بعد أن رفضت أغلبية أعضاء المجلس تخصيص ميزانية ضخمة تقدّر بـ30 مليون سنتيم كانت موجهة فقط للأكل والشرب، في وقت تعاني فيه الجماعة من خصاص مهول في البنية التحتية، الإنارة العمومية، والماء الصالح للشرب.

الخلاف داخل المجلس لم يكن حول الموسم في حد ذاته، بل حول المنطق الذي تُصرف به الميزانيات. فبينما يرى البعض أن الموسم فرصة للتعريف بالمنطقة وتنشيطها ثقافيًا، يرى آخرون أن الظروف لا تسمح بترف الطعارج والطواجن، في وقت لا يجد فيه المواطن ما يضيء به بيته أو يملأ به كأسه ماءً.

وحسب تصريحات بعض أعضاء المجلس، فإن نفس الميزانية صُرفت تقريبًا السنة الماضية، لكن لا أحد رأى طعامًا أو شرابًا، ولا استفاد المواطن من شيء يُذكر. موسم خرج باهتًا، دون أثر يبرّر تلك الملايين التي التهمها “التدبير الغامض”.

إلغاء الموسم هذه السنة لم يكن نابعًا من حرص على ترشيد النفقات كما يُروَّج، بل لأن “الضيوف الكبار” رفضوا الحضور بعد أن علموا أن لا أكل ولا شراب في انتظارهم. وكأن الموسم فقد قيمته حين غابت الموائد، وانسحب الدفء حين غاب اللحم والعصير.

الساكنة اليوم لا تطلب مهرجانًا ولا استقبالات، بل تطلب ماءً نقيًا، إنارة في الأزقة، طرقًا معبّدة، ومدارس لا تغلق أبوابها في وجه أبنائها. الأولويات واضحة، لكن يبدو أن بعض الرؤوس ما زالت تعيش في زمن الولائم.

ما وقع في جماعة الغربية ليس مجرد إلغاء موسم، بل صفعة للمنطق الذي يسير به بعض المسؤولين المحليين: تفضيل الكماليات على الضروريات، والاهتمام بالشكل على حساب المضمون. والمواطن، كعادته، خارج الحسابات.

لكن، ورغم كل ذلك، يبقى موسم “بن يفيو” أكثر من مجرد مناسبة للأكل والشراب. إنه تقليد راسخ، ورمز من رموز المنطقة، يرتبط في ذاكرة الساكنة بأيام الفروسية والتبوريدة، وباللقاءات العائلية والروابط الاجتماعية. إلغاؤه بهذه الطريقة المرتجلة فيه نوع من الجحود لتاريخ جماعي مشترك، ومساسٌ بهوية محلية تستحق أن تُصان لا أن تُختزل في ميزانية موائد. الإصلاح لا يكون بالإلغاء، بل بإعادة توجيه الموسم نحو ما ينفع الساكنة ويرتقي بكرامة المواطن، دون أن ننسى أن الثقافة جزء من التنمية، لا عبءٌ عليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى