من دار الشباب إلى دار التهميش: عندما تجهض التنمية وتختطف الجمعيات بأولاد احسين
هيئة التحرير :جواد المصطفى

من دار الشباب إلى دار التهميش: عندما تجهض التنمية وتختطف الجمعيات بأولاد احسين
في دوار السرابتة، بزغ حلم جميل في صدور شباب طموحين، ترعرعوا داخل دار الشباب، وآمنوا أن المجتمع المدني يمكن أن يكون شريكًا فعليًا في التنمية، لا مجرد ديكور. حملنا الهم المشترك، وأسسنا جمعية أمل السرابتة كإطار يعمل على النهوض بالمنطقة، والاهتمام بالشباب، وتغيير الواقع البائس الذي يعاني من غياب البنية التحتية، مشاكل النقل الحضري، وندرة الأنشطة الثقافية والرياضية.
انطلقت جمعية أمل السرابتة بحيوية ونشاط، واحتضنت فريقًا رياضيًا محليًا تحت اسم “أمل السرابتة”، كان بمثابة متنفس وحلم لشباب المنطقة. رغم غياب الملاعب والتأطير، كان الطموح حاضرًا، فبدأنا في رفع المراسلات والمطالب، عددها كتير موجهة إلى الجهات المختصة، خاصة حول مشاكل النقل وإصلاح البنية التحتية، لكن كل هذه الجهود اصطدمت بجدار الصمت أو التجاهل.
وسط هذا المخاض، ظهرت مبادرة تأسيس اتحاد جمعيات جماعة أولاد احسين، ضمّ ما يقارب 24 جمعية، وكان طموحنا أن نخلق قوة مدنية حقيقية تمثل صوت الساكنة وتوحد الجهود. وبالفعل، قمنا بإعداد تقارير ميدانية دقيقة، كل جمعية حسب منطقتها، لرصد المشاكل والاحتياجات، بدءًا من الماء الصالح للشرب، الإنارة، المسالك، التعليم الأولي، إلى ملاعب القرب، والتهميش الذي تعانيه الفتاة القروية.
وقد تم تجميع هذه التقارير في كتاب شامل، سُلّم رسميًا إلى عامل إقليم الجديدة آنذاك السيد معاد الجامعي وإلى رئيس الجماعة السيد نور الدين المخير، في خطوة غير مسبوقة بإقليم الجديدة وسيدي بنور حسب المعلومات مدنية وطنينا لأول مرة لجعل صوت المجتمع المدني مسموعا. رسم خريطة تنموية مدروسة.
لكن للأسف، لم تدم فرحة الاتحاد طويلًا. بعد أيام قليلة، عين رئيس الاتحاد في منصب بدار الطالبة، وراج أن ذلك تم مقابل إنهاء تجربة الاتحاد. تفكك الصف، وضاعت اللحمة. وعندما تواصلت مع باقي ممثلي الجمعيات، كانت الجملة المتكررة: الاتحاد تُشتت وتمّت المتاجرة به لكن بدوري الان لا أعلم السبب إطفاء شمعة اتحاد .
رغم انهيار الاتحاد، استمرت جمعية أمل السرابتة في العمل الميداني، ولم تتوقف عن المطالبة بحقوق الساكنة، لكن دون جدوى. لم يُستجب لأي مطلب أو مراسلة، في الوقت الذي تُمنح فيه المشاريع والدعم لجمعيات أخرى على حساب الشفافية، وكأن استقلالية الجمعية أصبحت تهمة.
المجتمع المدني في جوهره صوت المواطنين، ووسيلة لمراقبة السياسات العمومية والمساهمة في التنمية، لكنه في جماعة أولاد احسين أصبح رهينة لمصالح سياسية ضيقة. بعض السياسين يحرّكون جمعيات تأسست فقط لتبرير الدعم، ويُقصى من المشهد كل فاعل جمعوي نزيه يرفض التبعية.
تم تجفيف منابع التمويل للجمعيات المستقلة، وتمكين جمعيات محسوبة على منتخبين أو أقاربهم، والسلطات تعلم جيدًا كيف يتم التلاعب بالدعم. وهكذا، اختُطف المجتمع المدني، وأُفرغ من محتواه، فتحول إلى واجهة تُستغل في الحملات، بدل أن يكون قوة اقتراح ومرافعة.
من هذا المنبر، أوجه نداءً إلى السيد عامل إقليم الجديدة افتحوا ملف اتحاد كذاك ملف دعم الجمعيات كذلك اذكر الكتاب لا زال في خزائن العمالة، وإن اختفى، فإننا نحتفظ بنسخة منه. هذا الملف يمثل لحظة وعي جماعي نادرة، تستحق أن تُبعث من جديد، بعيدًا عن الحسابات الضيقة.
لا يمكن أن نختزل حقنا في التنمية في قفة رمضان. فالمجمع الشريف للفوسفاط، رغم مساهماته، مطالب بدعم مشاريع تنموية حقيقية في المناطق المجاورة، بدل تقديم مساعدات موسمية تُستغل سياسيا. نريد بنية تحتية، فرص شغل، تعليم جيد، نقل مدرسي، وملاعب للشباب… لا فتاتًا من تحت الطاولة.
لقد تم تحييد المجتمع المدني في جماعة أولاد احسين عمداً، وتكميم صوته، وتمكين لوبيات محلية من احتكار التنمية. لكننا لم ولن نصمت. نكتب اليوم لأننا نؤمن أن التغيير يبدأ من الكلمة، ومن كشف الحقيقة، ومن فضح التواطؤ.
فالتنمية ليست منّة، بل حق لا يساوم.. بيتبع



