إقليم الجديدةفن وثقافة

من الجديدة إلى مدريد… عبد الله مرجان يكتب السفر بلغة الأساطير ويعيد اكتشاف إسبانيا بحبر مغربي

جواد المصطفى

من الجديدة إلى مدريد… عبد الله مرجان يكتب السفر بلغة الأساطير ويعيد اكتشاف إسبانيا بحبر مغربي

جواد المصطفى

في زمن تحوّل فيه السفر إلى صور عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي، يختار الكاتب المغربي عبد الله مرجان أن يعيد للرحلة معناها العميق، وأن يمنحها روحًا أدبية تنبض بالتأمل والأسئلة. هكذا صدر حديثًا عن منشورات الأطلس للثقافة والإبداع كتابه الجديد “الطريق إلى مدريد: رحلة إلى أرض الأساطير”، ليضع القارئ أمام تجربة قرائية مختلفة، تتجاوز الجغرافيا نحو اكتشاف الإنسان والتاريخ والذاكرة.

هذا العمل لا يقدّم مدريد كوجهة سياحية فحسب، بل يستحضرها كفضاء رمزي تختلط فيه الأسطورة بالواقع، والتاريخ بالحاضر، والحنين بالدهشة. منذ الصفحات الأولى، يشعر القارئ أنه لا يرافق كاتبًا في رحلة، بل يعيش معه تحوّلًا داخليًا، حيث يصبح السفر مرآةً للذات بقدر ما هو عبور نحو الآخر.

“الطريق إلى مدريد” ليس كتاب انطباعات عابرة، بل نص سردي مشغول بعناية، تتقاطع فيه المعالم العمرانية العريقة مع الحكايات الشعبية، وتتعانق فيه الأزمنة من الأندلس إلى إسبانيا المعاصرة. يلتقط عبد الله مرجان تفاصيل المدن الإسبانية بعين المثقف، ويقرأ عمرانها كما تُقرأ النصوص القديمة، باحثًا عن المعنى خلف الحجر، وعن الروح خلف الواجهة.

في هذا العمل، تحضر الأساطير الإسبانية لا كزينة سردية، بل كجزء من الوعي الجمعي الذي شكّل هوية البلد. كما يستدعي الكاتب شخصيات تاريخية تركت بصمتها في الذاكرة، ليعيد تركيب المشهد الثقافي في صورة بانورامية تُبرز كيف كانت إسبانيا، عبر القرون، ملتقى حضارات وأديان وثقافات.

ينتمي الكتاب إلى أدب الرحلة، لكنه يتجاوزه إلى كتابة تأملية عميقة، حيث تصبح الرحلة أداة لاكتشاف الذات عبر الاحتكاك بالاختلاف. يرصد المؤلف تفاصيل الحياة اليومية، يقترب من الناس، من العادات، من الإيقاع اليومي للمدن، ويقارن في هدوء بين ما هو ضارب في القدم وما هو حديث ومتسارع.

إنها كتابة تجمع بين الوصف الدقيق واللغة السلسة، بين شاعرية العبارة وعمق الفكرة، ما يجعل القارئ ينتقل بين الصفحات دون شعور بالملل. فكل فصل يفتح نافذة جديدة، وكل محطة تُثير سؤالًا مختلفًا.

لا تخلو الرحلة من بعد وجداني، خاصة حين يستحضر الكاتب الروابط التاريخية بين المغرب وإسبانيا، ويستعيد ظلال الأندلس التي ما تزال تسكن المعمار والذاكرة. هنا، تتحول الرحلة إلى لحظة تأمل في التاريخ المشترك، وفي الامتداد الثقافي الذي يتجاوز الحدود السياسية.

عبد الله مرجان لا يكتب عن إسبانيا من موقع السائح، بل من موقع المثقف المغربي الذي يحمل ذاكرة بلده معه، ويقرأ الآخر بعين مفتوحة على الحوار لا على الانبهار.

“الطريق إلى مدريد رحلة إلى أرض الأساطير” ليس مجرد إصدار جديد يُضاف إلى رفوف المكتبات، بل هو دعوة صريحة لإعادة الاعتبار لأدب الرحلة كجنس أدبي قادر على مساءلة الواقع وصناعة المتعة في آن واحد.

إنه كتاب يُقرأ ببطء، لأن صفحاته لا تكتفي بسرد الطريق، بل تدعوك لتسير فيه، لتتأمل، لتقارن، ولتكتشف أن السفر الحقيقي يبدأ من الداخل.

بهذا العمل، يؤكد عبد الله مرجان أن الكتابة الرحلية المغربية ما تزال قادرة على التجدد، وعلى ملامسة القارئ بلغة تجمع بين الجمالية والعمق، وبين المتعة الفكرية وشغف الاكتشاف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى