أعمدة الرأي

الصحة العقلية بالجديدة.. حين يصبح الصمت شكلا من اشكال الإقصاء

هيئة التحرير/الجديدة وان

بقلم: نعيمة كادمي

رئيسة جمعية الاتحاد لذوي الاحتياجات الخاصة

يظل سؤال مؤلم يفرض نفسه بإلحاح: هل المرضى العقليون في المغرب مواطنون كاملو الحقوق، ام انهم فئة منسية، غاب صوتها ورفعت عنها كل اشكال الانتباه والإنصاف؟

المرض العقلي ابتلاء لا اختيار فيه، ولا قدرة للمصاب به على شرحه او الدفاع عن نفسه. هو مرض صامت، ضحاياه لا يطالبون بالكثير، فقط بالقليل من الكرامة، وبحد ادنى من الشروط الانسانية التي تحفظ آدميتهم داخل مؤسسات يفترض انها وجدت للعلاج لا لمضاعفة المعاناة.

اكتب هذا المقال من موقع المعايشة لا من موقع التنظير. فقد شاء الله ان يصاب ابني بمرض عقلي، ولا اذكر ذلك طلبا للشفقة، بل ايمانا بان الابتلاء رسالة ومسؤولية. مسؤولية ان اشهد، وان انقل، وان ارفع الصوت نيابة عن من لا صوت لهم، وعن المرضى العقليين بمستشفى الامراض العقلية بالجديدة.

ومن باب الانصاف، لابد من قول كلمة حق. داخل هذا المستشفى، توجد اطر طبية وتمريضية مشهود لها بالكفاءة والإنسانية، تتعامل مع المرضى وذويهم بتفهم واحترام، وتحاول في حدود الممكن ان تخفف من معاناة نفسية ثقيلة. طبيبة متفهمة، طاقم حاضر، وارادة صادقة للاشتغال رغم الاكراهات.

لكن جوهر المشكل لا يكمن في العنصر البشري، بل في الفضاء نفسه.

المعضلة الحقيقية هي في البناية، في التجهيزات، وفي الصورة القاسية التي يواجهها المريض منذ اللحظة الاولى. مريض يؤخذ في سيارة اسعاف، غالبا دون استيعاب لما يحدث، لينقل الى مؤسسة لا تشبه المستشفيات، بل تكرس الخوف بدل الطمأنينة، والصدمة بدل العلاج.

بناية قديمة، مهترئة، في وضعية مزرية، لا تليق لا بمرضى في وضع هش، ولا بقطاع صحي يفترض انه ركيزة من ركائز الدولة الاجتماعية. مشاهد لا تليق بمغرب اليوم، ولا بخطاب التحديث والنهوض الذي نسمعه في اكثر من مجال.

المغرب عرف خلال السنوات الاخيرة تطورا ملحوظا في قطاعات عدة، من بنية تحتية وصناعة وطاقات متجددة. لكن يبقى السؤال معلقا: اين هو نهوض قطاع الصحة العقلية؟ ولماذا يستمر تهميش هذا المجال بالذات؟ اليس المريض العقلي مواطنا؟ اليس من حقه العلاج في ظروف تحفظ كرامته؟

واذا كانت الجهات المسؤولة عاجزة عن تدبير هذا القطاع بالنجاعة المطلوبة، فلماذا لا يفتح المجال امام جمعيات المجتمع المدني للمساهمة؟ لماذا تغلق الابواب في وجه المبادرات والدعم والشراكات التي يمكن ان تساهم في تحسين الوضع؟

ثم لماذا، تحديدا، مستشفى محمد الخامس بالجديدة؟ لماذا هذا الاهمال المستمر؟ لماذا لا يخضع للاصلاح والتأهيل؟ ولماذا يترك المرضى وذووهم في مواجهة واقع قاس يفتقد لابسط شروط الإنسانية؟

الاخطر من ذلك، تسجيل حالات انقطاع الكهرباء عن المستشفى، في مشهد صادم يطرح اكثر من علامة استفهام حول حس المسؤولية، وحول موقع الضمير في تدبير مرفق صحي يعنى بفئة شديدة الهشاشة.

مطالبنا ليست تعجيزية، ولا ندعو الى ترف او رفاهية زائدة. نطالب فقط بمستشفى يستحق هذا الاسم، فضاء نظيفا، آمنا، انسانيا، يشعر فيه المريض انه انسان له قيمة، لا عبء ولا رقم منسي.

هذه ليست سوى صرخة رأي، من اعت مجروحة، ومن مواطنة غيورة، ومن فاعلة جمعوية رأت عن قرب ما لا يجب ان يستمر.

فلنتضامن جميعا مع المرضى العقليين بالجديدة، لان كرامة اي مجتمع تقاس بمدى عنايته بأضعف فئاته.

والله من وراء القصد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى