عامل إقليم الجديدة أمام اختبار الانضباط الإداري: هل يُفرض احترام المواطن داخل المقاطعات؟

جواد المصطفى
ما يحدث اليوم داخل النفوذ الترابي لعمالة إقليم الجديدة لم يعد مجرد اختلالات معزولة أو أخطاء تدبيرية عابرة، بل تحول إلى مشهد يومي مهين لكرامة المرتفق. مواطنون يصطفون في طوابير طويلة ، ينتظرون مصادقة على وثائق إدارية بسيطة، بينما بعض الموظفين منشغلون بهواتفهم، يتبادلون المكالمات والرسائل وكأن الزمن الإداري متوقف، وكأن انتظار الناس بلا قيمة. هذا السلوك ليس تفصيلاً هامشيًا، بل عنوان صارخ على استهتار خطير بالمسؤولية، وصمت إداري ثقيل يفتح الباب للفوضى، ويمنح العبث غطاءً غير معلن، ويجعل الإدارة عن قصد أو بدونه شريكًا في الأزمة لا حَكَمًا فيها.
المقاطعات الإدارية، باعتبارها الواجهة الأولى التي يلتقي فيها المواطن بالإدارة، تتحمل اليوم مسؤولية مباشرة في تنزيل قرار واضح وصارم يمنع استعمال الهواتف المحمولة أثناء ساعات العمل. هذا الإجراء البسيط في شكله، العميق في رمزيته، ليس ترفًا إداريًا ولا تشددًا زائدًا، بل حدٌّ أدنى من الاحترام الواجب للمواطنين الذين يضطرون للانتظار طويلًا من أجل مصادقة أو توقيع. فحين يتحول الهاتف إلى أولوية داخل المرفق العمومي، يفقد العمل الإداري معناه، وتُمس كرامة المرتفق بشكل مباشر.
ولا يتعلق الأمر بالمقاطعات وحدها، بل يشمل أيضًا باقي الجماعات الترابية بإقليم الجديدة، حيث يُفترض أن يسري نفس منطق الانضباط والالتزام. فالقانون واحد، وحقوق المواطنين لا تتجزأ حسب الموقع أو النفوذ. تنزيل قرار منع استعمال الهاتف أثناء العمل يجب أن يكون إجراءً عامًا، موحدًا، يخضع له الجميع دون استثناء، وإلا تحول إلى مجرد شعار يُرفع للاستهلاك، بينما الواقع يواصل إنتاج نفس الاختلالات.
إن عمالة إقليم الجديدة مطالَبة اليوم بفتح أعينها جيدًا ما يقع داخل المقاطعات بمدينة الجديدة والجماعات الترابية التابعة لها، ليس من باب الوصاية، بل من باب المسؤولية القانونية والسياسية. فالتقاعس عن التصحيح في الوقت المناسب يجعل من أي تدخل لاحق إجراءً متأخرًا، لا يُصلح الضرر بقدر ما يوثّقه.
ولا يحتاج الأمر إلى لجان معقّدة أو تقارير مطوّلة، بقدر ما يحتاج إلى قرار إداري شجاع، يضع حدًا للفوضى، ويؤكد أن سلطة القانون فوق الجميع، وأن الإدارة ليست رهينة لأي ضغط، ولا شريكة في أي انحراف. فالدولة القوية تُقاس بقدرتها على فرض قواعدها بعدل، لا بقدرتها على الصمت.
السؤال المطروح اليوم ليس معقدًا هل سينجح عامل إقليم الجديدة في فرض قرار إداري بسيط، لكنه حاسم، يعيد الاعتبار لهيبة المرفق العمومي ويضع حدًا لسلوكيات تمس احترام المواطنين؟ أم أن منطق التسيب والفساد الصغير، اليومي، أقوى من أي سلطة مهما كانت؟ الجواب لن يكون في التصريحات، بل في المقاطعات والجماعات، حيث يُقاس نفوذ الدولة بقدرتها على فرض الانضباط داخل أبسط مكاتبها.
إذا ظل القرار غائبًا، فإن التسيب اليومي سيواصل ترسيخ صورة الإدارة غير المنضبطة، وسيظل المواطن هو الضحية المباشرة. الكرة في ملعب عامل الإقليم، والوقت لا ينتظر أحدًا



