معرض الفرس بالجديدة.. تظاهرة عالمية تؤكد مكانة دكالة في ذاكرة الفروسية المغربية
المصطفى جواد

أسدل الستار على الدورة السابعة عشرة لمعرض الفرس بالجديدة، التي احتضنها مركز المعارض محمد السادس من 13 إلى 18 أكتوبر 2026، تحت شعار “الفرس في خدمة الإنسان” ، وسط إقبال جماهيري لافت تجاوز 160 ألف زائر، وفق الحصيلة المعلنة عند اختتام التظاهرة. وشكلت هذه الدورة محطة جديدة في مسار معرض أصبح موعداً بارزاً في الأجندة الوطنية والدولية للفروسية، بفضل تنوع برنامجه وحضور المشاركين والعارضين والمهنيين، فضلاً عن المكانة التي تحتلها الجديدة في الذاكرة الفروسية المغربية.
وتميزت الدورة الأخيرة بتعزيز البعد الرياضي الدولي، من خلال تنظيم منافسات القفز على الحواجز من فئةCSI5W ، إلى جانب مسابقات CSI2، وهو ما أتاح للجمهور متابعة عروض رياضية بمستوى تنافسي مرتفع، وجمع فرسان مغاربة وأجانب في فضاء واحد. ويعكس هذا التطور طموح المنظمين إلى ترسيخ مكانة المعرض ضمن المواعيد الكبرى للفروسية، مع فتح المجال أمام الفرسان المغاربة للاحتكاك بتجارب دولية والاستفادة من فرص التنافس والتطوير.
وفي مقابل هذا الحضور الرياضي، ظلت التبوريدة وفية لمكانتها داخل هوية المعرض، باعتبارها مكوناً أصيلاً من التراث المغربي وذاكرة جماعية تتوارثها الأجيال. فقد شكلت عروض السربات القادمة من مختلف جهات المملكة مناسبة لاستحضار تقاليد الفروسية التقليدية، بما تتطلبه من انسجام بين الفرسان والخيول، ودقة في الأداء وانضباط جماعي. وبالنسبة إلى دكالة، تكتسي هذه العروض أهمية خاصة، بالنظر إلى الارتباط التاريخي للمنطقة بالفروسية ومواسمها، وفي مقدمتها موسم مولاي عبد الله أمغار، الذي يظل من أبرز التعبيرات عن حضور الفرس في الذاكرة المحلية.
ولم يقتصر المعرض على العروض والمنافسات، بل امتد إلى الاحتفاء بالصناع التقليديين والحرفيين الذين يشكلون جزءاً أساسياً من عالم الفروسية. فقد سلطت المسابقة المخصصة لأفضل الصناع الضوء على مهارات صناعة السروج التقليدية والبنادق وعناصر النسيج المرتبطة بالتبوريدة، وهي حرف تختزن خبرات متوارثة وتحتاج إلى مواصلة نقلها إلى الأجيال الصاعدة. ويؤكد هذا الجانب أن الفروسية ليست مجرد مشهد احتفالي، بل منظومة متكاملة تضم الحرفيين والمربين والبيطريين والمهنيين، وتوفر إمكانات مهمة لخلق فرص اقتصادية إذا حظيت بالمواكبة اللازمة.
كما عرف المعرض مشاركة مؤسسات وفاعلين في مجالات التكوين والبحث، من بينهم مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل ومعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، إلى جانب شركات وتعاونيات وعارضين متخصصين في مستلزمات الفروسية وتربية الخيول. وشكلت هذه المشاركة فرصة للتعريف بالتكوين في المهن المرتبطة بالقطاع، وإبراز دور البحث العلمي والرعاية البيطرية وتطوير المعارف المهنية في الحفاظ على الخيول والارتقاء بمستوى العناية بها. وإلى جانب ذلك، أضفت الأنشطة الثقافية والفنية والبرامج الموجهة للأطفال بعداً إضافياً على التظاهرة، وجعلت منها فضاءً يلتقي فيه التراث بالتعلم والترفيه.
ولا يمكن الحديث عن نجاح المعرض دون التوقف عند مساهمة مختلف الأطراف التي أسهمت في تنظيمه وإنجاح فقراته، من الجهات المنظمة والشركاء المؤسساتيين والخواص، إلى الفرسان ومربي الخيول والحرفيين والعارضين والأطر التقنية والتنظيمية، فضلاً عن وسائل الإعلام التي واكبت الحدث ونقلت مختلف جوانبه إلى الجمهور. فمثل هذه التظاهرات لا تقوم على العروض وحدها، وإنما على عمل جماعي تتكامل فيه أدوار متعددة، من أجل تقديم صورة تليق بمكانة الفروسية المغربية وبالإشعاع الذي تطمح الجديدة إلى تعزيزه.
ومع ذلك، فإن تجاوز عتبة 160 ألف زائر، على أهميته، يفتح النقاش حول الأثر الاقتصادي الفعلي للمعرض على مدينة الجديدة وإقليم دكالة. فنجاح التظاهرة لا يقاس فقط بعدد الوافدين أو بمستوى المنافسات، بل أيضاً بما تحققه من حركة تجارية وسياحية، وما توفره من فرص للمطاعم والفنادق والتجار والصناع التقليديين والمهنيين المرتبطين بالخيول. وهنا يبرز سؤال مشروع: إلى أي حد تتحول هذه الجاذبية الجماهيرية إلى مكاسب مستدامة لفائدة الاقتصاد المحلي؟ إن الإجابة الدقيقة عن هذا السؤال تقتضي نشر معطيات واضحة حول حجم المبادلات التجارية، والفرص المهنية التي أتاحها المعرض، ومدى استفادة الفاعلين المحليين من انعكاساته المباشرة وغير المباشرة.
ويظل الرهان المستقبلي مرتبطاً بقدرة المعرض على تجاوز حدود الأيام الستة التي ينعقد خلالها، نحو إرساء أثر متواصل يدعم تربية الخيول، ويحافظ على الحرف التقليدية، ويشجع التكوين في المهن المرتبطة بالفروسية، ويفتح آفاقاً أوسع أمام الشباب. كما أن شعار “الفرس في خدمة الإنسان” يستدعي الاهتمام بصحة الخيول ورفاهها، وضمان العناية اللازمة بها، بما ينسجم مع المسؤولية المهنية والأخلاقية تجاه هذا الموروث الحي.
لقد أكدت الدورة السابعة عشرة أن معرض الفرس بالجديدة أصبح موعداً يتجاوز حدود الفرجة، بما يجمعه من أبعاد رياضية وثقافية ومهنية، وما يتيحه من فرص للتعريف بالموروث المغربي والانفتاح على التجارب الدولية. غير أن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل هذا النجاح إلى قيمة مضافة مستدامة يستفيد منها إقليم دكالة، وتنعكس على مهنييه وحرفييه وشبابه، وتضمن استمرار هذا الرصيد الثقافي والاقتصادي للأجيال المقبلة.
وبين أصالة التبوريدة وتطور الفروسية الرياضية، تظل الجديدة أمام فرصة لتعزيز مكانتها باعتبارها فضاءً وطنياً ودولياً للاحتفاء بالفرس. فالمعرض الناجح ليس فقط ما يستقطب آلاف الزوار ويقدم عروضاً متميزة، بل ما يتركه من أثر في محيطه، وما ينجح في تحويل الذاكرة إلى قوة حية تخدم الإنسان والتنمية وتصون هوية المنطقة.



