أخبار وطنيةإقليم الجديدة

عندما يدقّ المحامون ناقوس الخطر: دفاع عن استقلال المهنة وكرامة العدالة

المصطفى جواد

عندما يدقّ المحامون ناقوس الخطر: دفاع عن استقلال المهنة وكرامة العدالة

بقلم: جواد المصطفى – مدير العام لموقع الجديدة وان

ليست مهنة المحاماة مجرد وظيفة تقنية لتدبير الملفات والدفاع داخل قاعات الجلسات، بل هي في جوهرها ركيزة أساسية من ركائز دولة الحق والقانون، وصمام أمان لكل مواطن قد يُهمَّش صوته أو يُنتقص من حقه. ومن هذا المنطلق، فإن البلاغ الصادر عن مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب بتاريخ 17 يناير 2026 لا يمكن التعامل معه كوثيقة مطلبية عادية، بل كنداء وطني صريح يهم مستقبل العدالة برمّتها.

ما عبّرت عنه جمعية هيئات المحامين بالمغرب يعكس منسوبًا حقيقيًا من القلق داخل الجسم المهني إزاء مسار تشريعي، وممارسات، وتصريحات تُهدد، بشكل مباشر أو غير مباشر، استقلال المهنة وتُفرغ أدوارها الدستورية من مضمونها. فالمحاماة، كما شدد البلاغ، ليست فئة تبحث عن امتيازات، بل مهنة ذات مرجعيات كونية وإنسانية، تضطلع بأدوار حقوقية واجتماعية مركزية، وتشكل أحد أعمدة التوازن داخل منظومة العدالة.

استقلال المحاماة ليس ترفًا ولا مطلبًا فئويًا ضيقًا. كل مساس باستقلال المحامي، أو محاولة لتهميش صوته، أو التشكيك في أدواره، هو مساس مباشر بحق المواطن في الدفاع وبثقة المجتمع في العدالة. لذلك فإن رفض الجمعية للمقاربات غير الموضوعية، والتنبيه إلى خطورة التهرب من النقاش الحقيقي حول أعطاب العدالة، يُعد موقفًا مسؤولًا يستوجب التفاعل الجاد لا التبخيس. فالإصلاح لا يتم عبر تبادل الاتهامات، ولا عبر تحميل فئة بعينها مسؤولية اختلالات بنيوية، بل عبر تشخيص صريح وشجاع تشارك فيه كل مكونات منظومة العدالة دون استثناء.

أما بخصوص مشروع قانون مهنة المحاماة رقم 23.66، فإن ما يثير القلق ليس مبدأ الإصلاح في حد ذاته، بل الكيفية والمنهج. فالقانون الذي يُفترض أن يؤطر مهنة الدفاع يجب أن يُصاغ بروح تشاركية حقيقية، وأن يحمي استقلال المحامي ويعززه، لا أن يقيده أو يُفرغه من مضمونه. الإصلاح الحقيقي هو الذي يقوي ضمانات المحاكمة العادلة، ويُرسخ مكانة الدفاع كعنصر أساسي داخل القضاء، لا الذي يفتح الباب أمام التحكم أو الإضعاف المقنّع.

وإذا كان المحامون اليوم يلوّحون بخطوات نضالية تصاعدية، وصولًا إلى التوقف الشامل عن العمل والمشاركة في وقفات وطنية، فإن ذلك لا يعكس نزوعًا للتصعيد من أجل التصعيد، بل هو تعبير صريح عن انسداد قنوات الحوار الجاد، وعن إحساس عميق بأن المهنة تُدفع إلى الزاوية، وبأن صوتها لا يُصغى إليه كما يقتضي المقام.

ومن واجب الرأي العام أن يدرك أن معركة المحامين ليست معركة فئوية معزولة، بل هي معركة دفاع عن حقه هو في محاكمة عادلة، وعن قضاء مستقل، وعن ميزان عدالة لا يختل لصالح أي جهة. فحين يُضعف المحامي، يضعف المتقاضي، وحين تُهشَّم مكانة الدفاع، يهتز الإحساس بالأمن القانوني، وتتراجع الثقة في المؤسسات.

وإذ يواكب موقع الجديدة وان هذه التطورات، فإنه يعلن بوضوح انحيازه للمهنية، وللاستقلال، وللعدالة الحقة. لأن الصحافة، مثل المحاماة، لا تزدهر إلا في مناخ الحرية والمسؤولية، ولا يمكن أن تؤدي دورها الرقابي والتنويري إلا حين تكون المؤسسات قوية، والمهن مستقلة، والقانون فوق الجميع.

إن التاريخ يُكتب اليوم، والمحامون اختاروا أن يكونوا في صف الدفاع عن المهنة وعن كرامة العدالة. فهل تلتقط الجهات المعنية الرسالة قبل فوات الأوان؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى