إقليم الجديدة

قضية إلياس المالكي… حين تجرّ الشهرة الرقمية أصحابها إلى ردهات القضاء

الجديدة وان

قضية إلياس المالكي… حين تجرّ الشهرة الرقمية أصحابها إلى ردهات القضاء

لم يعد ما يُسوَّق له تحت مسمى “صناعة المحتوى” مجرد تعبير حر أو ترفيه عابر، بل تحوّل، عند بعض صُنّاع “اللايفات”، إلى ممارسة ممنهجة للإساءة والتشهير وبث خطاب الكراهية، في استغلال فجّ لفضاءات يفترض أن تُثري النقاش العمومي لا أن تُفرغه من قيمه.

الملف المعروض اليوم أمام المحكمة الابتدائية بالجديدة يكشف حجم الانزلاق الخطير الذي بلغه هذا النوع من المحتوى، بعد انضمام جمعية من مدينة فاس إلى لائحة الأطراف المشتكية، وتقديمها شكاية رسمية تتضمن اتهامات ثقيلة من قبيل التشهير، والسب والقذف، والعنف النفسي ضد امرأة، والتمييز والتحريض على التمييز والكراهية، إضافة إلى الإخلال العلني بالحياء العام.

نحن أمام وقائع لا يمكن تبريرها بمنطق “الفرجة” أو “السخرية”، ولا تسويقها كحرية تعبير. فحرية الرأي، كما هي مكفولة دستوريًا، تقف عند حدود كرامة الأشخاص وسلامتهم النفسية، وعند منع التحريض على الكراهية والعنف، وهي حدود رسمها القانون بوضوح لا لبس فيه.

الأخطر في هذا الملف ليس فقط تعدد التهم، بل ما يعكسه من ثقافة رقمية مقلقة، تقوم على التطبيع مع الإهانة، وتحويل التشهير إلى وسيلة للانتشار، وجعل العنف اللفظي مادة يومية لجلب المتابعات والمشاهدات، في غياب أي حس بالمسؤولية الأخلاقية أو القانونية.

موقف الدفاع، الذي عبّر عنه محام بهيأة فاس، يعكس إدراكًا متقدمًا بأن ما يقع لا يندرج ضمن أخطاء عفوية أو انزلاقات معزولة، بل ضمن سلوك متكرر له آثار مباشرة على الأفراد، وخاصة النساء، وعلى السلم المجتمعي بشكل عام.

وانخراط جمعيات مدنية من خارج المجال الجغرافي للقضية يبعث برسالة واضحة: ما يحدث في الفضاء الرقمي لم يعد شأنًا فرديًا أو محليًا، بل قضية رأي عام تستدعي وقفة حازمة. فالمنصات الافتراضية ليست مناطق خارجة عن القانون، ولا تمنح الشهرة أو عدد المتابعين أي حصانة من المساءلة.

اليوم، الكرة في ملعب القضاء، والكلمة الفصل ستظل له وحده. لكن المؤكد أن هذا الملف يشكّل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة المنظومة القانونية على مواكبة التحولات الرقمية، ووضع حد للفوضى الخطابية التي تهدد القيم والحقوق تحت غطاء “البث المباشر”.

إنها لحظة فاصلة إما ترسيخ مبدأ المسؤولية وربط الحرية بالمحاسبة، أو ترك المجال مفتوحًا لانحدار رقمي لا رابح فيه. والرهان، في النهاية، هو حماية الكرامة الإنسانية وصون هيبة القانون قبل أي اعتبار آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى